الرئيسيةمقالات

دكتور صلاح سلام يكتب لنبض المرأة .. “الطربوش الأحمر”

دكتور صلاح سلام
بقلم: د.صلاح سلام

لم يتبقى احد في مدينتنا متمسكا بالطربوش الأحمر، والذي تعود أصوله إلى الحكم التركي إلا عمي الحاج سويلم والشيخ محمود عروج.. حيث كان طويل القامة ذو هيبة ومهابة، وكان له باع في القضاء العرفي.. ويمشي من منزله إلى سوق المركز حيث محلاته لبيع الخضار والفواكه بالجملة؛ إذ يأت أصحاب المزارع بمنتجاتهم، ويقف هو على “القبان” أي الميزان الكبير ويدير عملية البيع بالمزاد لأعلى سعر، وخلفه من يسجلون على من رسى البيع والوزن والسعر، وكان يقطع هذه المسافة مشيا وبصحبته عمي سلمان، وهو الأصغر منه وبينما كان غالبا جلبابه داكنا ذو أكمام واسعة كان أخيه على النقيض يلبس جلبابا ابيض.. وتلازم يده اليمنى عكاز كأنها عصا المارشلية، ولم يتخلى عن الطربوش إلا بعد الاحتلال الإسرائيلي، وربما كان يتحاشى غباء بعضهم ويحسبون على منظمة الألوية الحمراء الإرهابية.. وكنت ارقبه في جيئته وذهابه، حيث يعود عصرا أحيانا لربما تكون بعض السيارات تأخرت وهي في طريقها من الإسماعيلية إلى العريش، وخاصة الشمام الاسمعلاوي والبطيخ.. وكان يجلس أحيانا في منتصف شارع ٢٣يوليو أمام دكان والدي والذي ورثه أخي الأكبر غير الشقيق، حيث كان الشارع وقتها اتجاهين، وفي المنتصف رصيف حيث يضعون له كرسيا، ويجلس ليتصفح الأهرام، ونادرا ما كنت تجد في بلدتنا ما هو في سنه يقرأ ويكتب بطلاقة  فهم تعليم الكتاب بضم الكاف.. وكنت استغرب من هذه الجلسة، حيث رسخت في وجداني حادثتين لم يمحهم الزمن من ذاكرتي، حيث كان على الجانب الأخر من شارعنا شادر بطيخ عمي الهندي في المساحة التي تم ضمها فيما بعد لمسجد جمعية تحفيظ القرآن، وكان ابنه الصغير يحاول تخطي الشارع وعلى يساره كانت تقف سيارة تحجب رؤيته وهو لم يتعدى ال٦ سنوات، وجاءت عربية زل كبيرة مسرعة فدهسته وانفجر رأسه، وأجهشت بالبكاء من هول ما رأيت، وظللت هكذا أياما افزع في منامي وأنام بصعوبة وتنتابني رجفة كالتي عانيت منها ليلة الحادث، وتحاول أمي تحتضنني لأهدأ ولكن هيهات.. والحادث الأخر في نفس المكان؛ حيث كان أحد الجنود يركب في سيارته في الصندوق الخلفي، ويحمل سلاحه على كتفه الأيمن ويبرز جزء منه خلفه، حيث كان صندوق السيارة خشبي وبه فراغ بين القائمين الخشبيين، وتأتي السيارة التي تحمله مسرعة ليصطدم الجزء البارز من سلاحه بصندوق سيارة تقف في نفس المكان المشئوم؛ فيطير المسكين في الهواء ليقع على الأرض غارقا في دمائه فتتجدد المأساة..

وذات يوم رآني عمي وهو يقرأ جريدته، وكنت ارتدي شورت وقميص وحذاء كاوتش ليأخذني معه إلى مقر المزاد.. وسألني إيه الطقم الحلو ده.. فصمت قليلا.. طبعا الطقم له قصة؛ فقد كانت السيدة أم حامد وهي من مهجري ١٩٤٨ تأتي أحيانا عند أم عصام التي تستأجر منا المنزل الملاصق، وهي أيضا وزوجها من مهجري فلسطين.. كانت تأتي أم حامد بـ”صرة” من الملابس وهي قادمة من غزة، حيث كانت منطقة حرة قبل حرب ١٩٦٧، وكانت أمي الحاجة وهيبة “ياسمين” تتلقفها وتأخذ منها ما يناسبنا بأرخص الأسعار، وقد رأت أن هذا الطقم يناسبني، وأتت به ورفضته تماما باكيا بحرقة لأنه من وجهة نظري من “البالة” أو مستعمل، وأم حامد تقنعني انه جديد وانه ستوك مصانع.. ولكنها تضعه في هذه الصرة بعد فكه من أكياسه حتى تمر من الجمارك بدون رسوم.. وأنا انتفض من شدة البكاء.. نعم أرضى بالفقر واعمل وأنا مازلت صبي غض، أبيع اللب والترمس والتين الشوكي.. ولكن لا يمكن أن ارتدي ملابس مستعملة.. ولم أهدأ إلا بعد أن أرسلتهم أمي إلى سعد المكوجي، وذهبت لأحضرهم فقال لي “إيه اللي كسرهم كده وهمة جداد” فاطمأن قلبي وارتديت الطقم، ومعه المنديل الأبيض التي كانت تحرص عليه أمي أن يكون في جيبي.. فليس مهما أن تكون غنيا المهم أن تكون نظيفا.. هذه هي فلسفتها.. وذهبت مع عمي إلى “الحاصل” وهذا هو الاسم الدارج، وأتذكر جيدا مقولته لشحتة مساعده وذراعه الأيمن، وهو ابن عمتي وهو حي يرزق أمد الله في عمره.. تعرف يا شحته أن الولد ده سوف يكون له شأن. ويرد عالله يا خال.. ومازال الحاج شحته يذكرني بمقولة خاله، كلما التقينا وأقول له يسمع منك ربنا.. وعدت مع عمي متبخترا إلى جانبه، وهو يضرب بعكازه الأرض ويضبط طربوشه، وقد فزت بزجاجة كوكاكولا، وهي بالنسبة لي جائزة كبرى في ذاك الزمن الغابر ..

زر الذهاب إلى الأعلى