الرئيسيةمقالات

دكتور صلاح سلام يكتب لنبض المرأة.. “حكاية شارعنا”

دكتور صلاح سلام
بقلم د. صلاح سلام

كنت أحب كرة القدم، حيث كان الشغف عاليا، وأنا أرى الرجال يتجمعون على ناصية شارعنا أمام محل سعد المكوجي الذي استأجره من والدتي، وهو من قرية من الدلتا، ومازال هذا المحل موجود حتى الآن بعد أن أصبح جزء من فندق يملكه أولاد أخي الأكبر؛ فكان سعد شرارة ابن الصول شرارة، ذلك الرجل السمين الذي مازالت صورته وهو ببذلته العسكرية الصوف وحزامه المشدود على كرشه البارز واضحا جليا كأني أراه الآن، وكذلك كانت ابتسامته الجميلة تضفي عليه لونا من الود.. ونظرا لأنه يسكن في منزل في نفس الشارع، فقد كان يجلس مع المستمعين بجلبابه المخطط وطاقيه من نفس القماش، ويسمعون إلى التعليق على الماتش من ذلك الراديو الكبير الذي كان يضعه سعد على رف قرب باب المحل؛ يعلو قليلا عن ترابيزة المكوى، حيث كان يضبط محطة الراديو والجميع يضعون الكراسي جلوسا وهو يقف خلف منضدته يعزف بالمكواة الحديدية على ملابس البشر، بعد أن تكون قد احمرت من وهج النار، وامسكها بمنديل ويضعها قرب خده ليقيس درجة حرارتها، ثم يواصل العزف والماتش شغال والمعلق يشنف الاذان، فيثور تارة فتعلوا صيحات الجالسين فينتفضوا أو يشوحون بأيديهم إذا ما كانت الأمور تسير عكس مايريدون .. ثم ينتقل الأمر من العرض الإذاعي إلى العرض الحي..فهذا فريق شارعنا بقيادة علي أبو الذهب وأخيه صبحي، وهم من أسرة جاءت من صعيد مصر، وكان والدهم يعمل في السكة الحديد، وظل مقيما بالعريش حتى بعد خروجه على المعاش، وينضم إلى الفريق شباب آل المالح وشراب وهدبان وآدم والجندي والبنديري، وهم من العريش؛ والطهراوي والبشيتي، وهما من النازحين من فلسطين.. ويجتمع الفريق السداسي ليلاعب فريق الشارع المجاور تارة أو فريق الأسد المرعب تارة أخرى ثم فريق بركة حليمة وكرم ابونجيلة.. وكانت غالبا تدور رحى المباريات في نهاية شارعنا، وهو الذي يربط بين الشارع العام الرئيسي ٢٣ يوليو وبين شارع بيت المحافظ.. ولن أحدثك عن بيت المحافظ، ولكن لك أن تتخيل انه كان يشغل تقريبا عشر مساحة العريش القديمة، وكان الشارع مابين سور بيت المحافظ والمنازل المطلة عليه واسعا، وأحيانا كانت تقع الكرة في حديقة بيت المحافظ، وهنا يتوقف الماتش.. إذا كانت الكرة “كفر”؛ وهي ذلك الاختراع العجيب الذي يشترك فيه كل شباب الحتة ليقتنوه.. من الذي سيضحي ويتسلق الحائط ليحضر الكرة.. فهو أحيانا ينجوا وأخرى ربما يمسكه الحراس، ويكون مصيره أما السجن لبعض الوقت أو علقة ساخنة.. ولكن غالبا كان أحد الفتيان يتطوع بعد أن يستكشف المكان جيدا ثم يقفز، ويلقي بالكرة خارج السور، ثم يعود متسلقا وربما تحت تهديد ونداءات الحراس يرتفع الادرينالين فيقفز كأنه غزال في حلبة السباق.. أما إذا كانت كرة “شراب”؛ فلا مانع من التضحية بها برغم المصنعية العالية التي كان يتطلبها صناعة كرة شراب، فهي تكنولوجيا تحتاج إلى حرفية عالية..

هكذا عشنا سنوات الطفولة نتابع ماتشات الشارع، ونسمع عن أبو جريشة والشيخ طه ورفعت الفناجيلي.. وبعد النكسة أصبح الوضع مختلفا؛ فلم يعد هناك بيت للمحافظ، ولم يبق لا سعد ولا ضيوفه، ومعظم أهالي الفريق قد فروا إلى حيث لا ندري، وأصبحت المساحات مفتوحة بين نهاية شارعنا والمدارس التي كانت على طريق على مقربة من وادي العريش، وأصبح المكان يتسع لعمل مباريات كبيرة؛ تتسع لإحدى عشر لاعبا لكل فريق، وبجانبه ملاعب أخرى صغيرة للفرق السداسية.. وانطلقنا نمرح ونلعب، ولكني كنت اسرق الدقائق من أجل هذه الساحرة المستديرة، فاللعب في شرع أسرتنا هو مضيعة للوقت ومسخرة والملعب مكان تسمع فيه ألفاظ نابية وتجاوزات اخلاقية، ولسوء حظي أنني كنت العب ذات يوم وجاء أخي ليأخذني من الملعب مستنكرا وجودي فيه أصلا، فسمع احد اللاعبين يسب لفظ الجلالة، وكان يوما أسودا علي وعلى كرة القدم، وتحذير شديد اللهجة أن اقرب هذا المكان الذي لا يعلمك إلا كل ما هو منحط وسافل ومرفوض، وكان علي أن انصاع له لبعض الوقت، ولكن كنت اختلس سويعات لأعود أمارس هوايتي، ولكن بعيدا عن المنطقة التي نسكنها، وأحيانا في المدرسة؛ إلى أن اكتشفت أنني العب كرة الطائرة أفضل بكثير اعتمادا على طول قامتي، وأصبحت اللعبة المفضلة بفريق من المدرسة مع بعض المدرسين دون سباب أو لغط إلى أن دخلت كلية الطب في ظروف صعبة، وانتقال من بين الأهل والصحبة والأصدقاء، والدفع الذي صاحبه التضييق وكبت الأنفاس من الاحتلال الإسرائيلي إلى غربة اختيارية كنا نتمناها وننتظرها ولكنها كانت قاسية، فلا أهل ولا مال ولا بيت والخطوات متعثرة تارة تدق رأسك، وأخرى تتعثر فيها خطاك، فلا وقت للهوايات ولا اللعب.. انظر إلى مستقبلك وكافح وجاهد وثابر.. لعلك تنجح وتنجوا

زر الذهاب إلى الأعلى